السيد جمال محمد صالح

52

وانقضت أوهام العمر

محرق ، إنّي أشعر بالوحدة ، إنّها مرض لا يطاق ، إنّها حالة يرثي لها صاحبها . . ولكني سعيت إلى الاستعانة باللّه كيما يساعدني على تحملها ، والخروج من هذه المحنة بأفضل نتيجة ، يمكن أن يبشر اللّه بها الصالحين من عباده في الدنيا والآخرة . . كنت أفكر أنها لماذا عندما نختار شريكات أعمارنا ، ونقرّر أمر زيجاتنا ، فإنّا لا ندع لأحد أيّما فرصة كيما يغمرنا بفيض آرائه ، ويقتحم علينا خلواتنا ، نحسب أنه يضايقنا بنظراته ، حتّى إنّا سنباغته ونعاجله في حينها ، ونخبره بأنّا قد غدونا أحراراً ، ولسنا نذعن لأيما مراد أُسَري أو غاية عائلية . وأنّ ما نقرره في أمر الزواج هو أمر يتعلق بنا وحدنا ، لأنّا لا نرتضي أن نخضع إلى اختيارات الآراء في ابنة العم وابنة الخال وغيرها ، ونتزوج من هذه دون تلك وأن أنصرف عن هذه المرأة ، وأبتعد عن تلك الزيجة ، وعليك بفلانة ، وانكح ابنة فلان ، وتزوج من تلك ! ولئن لم تقلع لنرجمنّك واهجرنا ملياً . . فما كان إبراهيم ينتظر رأي أبيه العرفي آزر الذي كان يمثل عمّه نسبياً ، حتّى يقرر الإذعان لمن خلقه وخلق أباه كذلك والخلق أجمعين من قبل . ولا كان للسحرة كذلك أن يستأذنوا فرعون في الإعلان عن إيمانهم لموسى ، لأن كلمة الحق أمر ناصلٌ ، ليس من ثبات عندها إلاّ لكوكبة شعاعاتها وخضراء أفلاكها القويمة . . ولا ينتظر بعدها من أيّما امرئ أن يتعرض إلى هجمات الأعداء وسطو الغازين وضرب المعتدين الذين يحملون عليه في حريم ضياعه ، يباغتونه في عقر داره ، يريدون قتله ، وانتهاك حرماته ، وسلبه كُلّ ما يملك حتّى نفسه ونفوس من هم تحته إلاّ أن يهب مذعناً لنداء الجهاد ، ملبياً عنوان الإرادة الحقة التي تسحق كُلّ جبن أبكم وتخرس كُلّ ضعف ووهن في نفسه ، حتّى يهب صارخاً